فصل: تفسير الآيات (4- 6):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وبذلك تعلم أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقًا متلبسًا بأعظم الحق. الذي هو إقامة البرهان القاطع. على توحيده جل وعلا. ومن كثرة الآيات القرآنية. الدالة على إقامة هذا البرهان. القاطع المذكور. على توحيده جل وعلا. علم من استقرأء القرآن. أن العلامة الفارقة من يستحق العبادة. وبين من لا يستحقها. هى كونه خالقًا لغيره. فمن كان خالقًا لغيره. فهو المعبود بحق. ومن كان لا يقدر على خلق شئ. فهو مخلوق محتاج. لا يصح أن يعبد بحال.
فالآيات الدالة على ذلك كثيرة جدًّا كقوله تعالى في آية البقرة المذكورة آنفًا: {يَا أَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ} الآية.
فقوله: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} يدلعلى أن المعبود هو الخالق وحده. وقوله تعالى: {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] الآية. يعني وخالق كل شيء هو المعبود وحده.
وقد أوضح تعالى هذا في سورة النحل. لأنه تعالى لما ذكر فيها البراهين القاطعة. على توحيده جل وعلا. في قوله: {خَلَقَ السماوات والأرض بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 3] إلى قوله: {وَعَلامَاتٍ وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17].
وذلك واضح جدًّا في أن من يخلق غيره هو المعبود وأن من لا يخلق شيئًا لا يصح أن يعبد.
و لهذا قال تعالى بعده قريبًا منه {والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [النحل: 20]. وقال تعالى في الأعراف {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191]. وقال تعالى في الحج {يا أيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا ولواجتمعوا لَهُ} [الحج: 73] أي ومن لم يقدر أن يخلق شيئًا لا يصح أن يكون معبودًا بحال وقال تعالى: {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلىلذي خَلَقَ فسوى} [الأعلى: 1- 2] الآية.
ولما بين تعالى في أول سورة الفرقان. صفات من يستحق أن يعبد. ومن لا يستحق ذلك.
قال في صفات من يستحق العبادة: {الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض ولم يَتَّخِذْ ولدًا ولم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].
وقال في صفات من لا يصح أن يعبد {واتخذوا مِن دُونِهِ الِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الفرقان: 3]. الآية والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا وكل تلك الآيات تدل دلالة واضحة على أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقًا متلبسًا بالحق.
وقد بين جل وعلا أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض وبينهما. خلقًا متلبسًا به. تعليمه خلقه أنه تعالى على كل شئ قدير. وأنه قد أحاط بكل شئ علمًا. وذلك في قوله تعالى: {الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ لتعلموا أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمَا} [الطلاق: 12].
فلام التعليل في قوله: لتعلموا متعلقة بقوله: {الله الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} الآية وبه تعلم أنه ما خلق السماوات السبع. والأرضين السبع. وجعل الأمر يتنزل بينهن. إلا خلقًا متلبسًا بالحق.
ومن الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقًا متلبسًا به. هو تكليف الخلق. وابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا. ثم جزاؤهم على أعمالهم. كما قال تعالى في أول سورة هود: {وَهوالذي خَلَق السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7].
فلام التعليل في قوله: ليبلوكم متعلقة بقوله: {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} وبه تعلم أنه ما خلقهما غلا خلقًا متلبسًا بالحق.
ونظير ذلك قوله تعالى في أول الكهف {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7].
وقوله تعالى في أول الملك: {الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].
ومما يوضح أنه ما خلق السماوات والأرض إلا خلقًا متلبسًا بالحق. قوله تعالى في آخر الذاريات {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 56- 57].
سواء قلنا: إن معنى إلا ليعبدون أي لامرهم بعبادتى فيعبدني السعداء منهم. لأن عبادتهم يحصل بهم تعظيم الله وطاعته. والخضوع له كما قال تعالى: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هؤلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89].
وقال تعالى: {فَإِنِ استكبروا فالذين عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بالليل والنهار وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38].
أوقلنا: إن معنى إلا ليعبدون أي إلا ليقروا لي بالعبودية. ويخضعوا ويذعنون لعظمتي. لأن المؤمنين يفعلون ذلك طوعًا. والكفار يذعنون لقهره وسلطانه تعالى كرهًا.
ومعلوم أن حكمة الابتلاء والتكليف لا تتم إلا بالجزاء على الأعمال.
وقد بين تعالى أن من الحق الذي خلق السماوات والارض خلقا متلبسًا به. جزاء الناس بأعمالهم. كقوله تعالى في النجم {وللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى} [النجم: 31].
فقوله تعالى: {وللَّهِ مَا فِي السماوات} أي هو خالقها ومن فيهما {لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُوا}.
فقوله تعالى: {وللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} أي هو خالقها ومن فيها {لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ} الآية.
ويوضح ذلك قوله تعالى في يونس: {إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [يونس: 4].
ولما ظن الكفار أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا. لا لحكمة تكليف وحساب وجزاء. هددهم بالويل من النار. بسبب ذلك الظن السيئ. في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النار} [ص: 27].
وقد نزه تعالى نفسه عن كونه خلق الخلق عبثًا. لا لتكليف وحساب وجزاء. وأنكر ذلك على من ظنه. في قوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتعالى الله الملك الحق لاَ إله إِلاَّ هو رب العرش الكريم} [المؤمنون: 115- 16].
فقوله (فتعالى الله) أي تنزه وتعاظم. وتقدس. عن أن يكون خلقهم لا لحكمة تكليف وبعث. وحساب وجزاء.
وهذا الذي نزه تعالى عنه نفسه. نزهه عنه أولوالألباب. كما قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وعلى جُنُوبِهِمْ} [ال عمران: 190]. إلى قوله: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
[ال عمران: 191]. فقوله تعالى: {سُبْحَانَكَ} أي تنزيهًا لك. عن أن تكون خلقت هذا الخلق. باطلًا لا لحكمة تكليف. وبعث وحساب وجزاء.
وقوله جل وعلا في آية الأحقاف هذه: {مَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق}. يفهم منه أنه لم يخلق ذلك باطلًا. ولا لعبًا ولا عبثًا.
وهذا المفهو م جاء موضحًا في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا} الآية. وقوله تعالى: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا}. وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بالحق} [الدخان: 38- 39].
وقوله تعالى في آية الأحقاف هذه {وَأَجَلٍ مُّسَمًى} معطوف على قوله: {بِالْحَقِّ} أي ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بخلقًا متلبسًا بالحق. وبتقدير أجل مسمى. أي وقت معين محدد ينتهى إليه أمد السماوات والأرض. وهو يوم القيامة كما صرح الله بذلك في أخريات الحجر في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق وَإِنَّ الساعة لاتِيَةٌ} [الحجر: 85] الآية.
فقوله في الحجر: {وَإِنَّ الساعة لاتِيَة} بعد قوله: {إِلاَّ بالحق} يوضح معنى قوله في الأحقاف {إِلاَّ بالحق وَأَجَلٍ مُّسَمًى}.
وقد بين تعالى في آيات من كتابه أن للسماوات والأرض أمدًا ينتهى إليه أمرهما. كما قال تعالى: {والأرض جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]. وقال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السماء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 104] وقوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات} [إبراهيم: 48] وقوله: {وَإِذَا السماء كُشِطَتْ} [التكوير: 11] وقوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال} [المزمل: 14] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: {والذين كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ}.
ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار معرضون عما أنذرتهم به الرسل جاء موضحًا في آيات كثيرة كقوله تعالى في البقرة: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] وقوله في يس {وَسَوَاءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} [يس: 10].
وقوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آية مِّنْ آيات رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} [الأنعام: 4- يس: 46]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
والإعراض عن الشيء الصدود عنه. وعدم الإقبال إليه.
قال بعض العلماء: وأصله من العرض بالضم. وهو الجانب. لأن المعرض عن الشي يو ليه بجانب عنقه. صدًا عنه.
والإنذار: الإعلام المقترن بتهديد. فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذار.
وقد أوضحنا معاني الإنذار في أول سورة الأعراف.
{وما} في قوله: {عَمَّا أُنذِرُواْ} قال بعض العلماء هي موصولة. والعائد محذوف. أي الذين كفروا معرضون عن الذي أنذروه. أي خوفوه من عذاب يوم القيامة. وحذف العائد المنصوب بفعل أووصف مضطرد كما هو معلوم.
وقال بعض العلماء: هي مصدرية. أي والذين كفروا معرضون عن الإنذار. و لكليهما وجه. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2)}.
تقدم القول في نظيره في أول الجاثية.
{مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3)}.
لما كان من أهم ما جاء به القرآن إثباتُ وحدانية الله تعالى. وإثباتُ البعث والجزاء. لتوقف حصو ل فائدة الإنذار على إثباتهما. جُعِل قوله: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} [الأحقاف: 2] تمهيدًا للاستدلال على إثبات الوحدانية والبعث والجزاء. فجُعل خلق السماوات والأرض محل اتفاق. ورتب عليه أنه ما كان ذلك الخَلق إلا ملابسًا للحق. وتقتضي ملابسته للحق أنه لا يكون خلْقًا عبثًا بل هودال على أنه يعقبه جزاء على ما يفعله المخلوقون.
واستثناءُ {بالحق} من أحوال عامة. أي ما خلقناهما إلا في حالة المصاحبة للحق.
وقوله: {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} في موضع الحال من الضمير المقدر في متعلّق الجار والمجرور من قوله: {بالحق}. فيكون المقصود من الحال التعجيب منهم وليس ذلك عطفًا لأن الإخبار عن الذين كفروا بالإعراض مستغنى عنه إذ هو معلوم. والتقدير: إلا خلقًا كائنًا بملابسة الحق في حال إعراض الذين كفروا عما أنذروا به مما دل عليه الخلق بالحق.
وصاحب الحال هو {السماوات والأرض}. والمعنى: ما خلقناهما إلا في حالة ملابسة الحق لهما وتعيين أجل لهما.
وإعراض الذين كفروا عما أنذروا به من آيات القرآن التي تذكرهم بما في خلق السماوات والأرض من ملابسة الحق.
وعطف {وأجل مسمى} على {بالحق}. عطفُ الخاص على العام للاهتمام به كعطف جبريل وميكائيل على ملائكته في قوله تعالى: {وملائِكتهِ ورسله وجبريل وميكائيل} في سورة البقرة (98) لأن دلالة الحدوث على قبو ل الفناء دلالة عقلية فهي ممّا يقتضيه الحق. وأن تعرض السماوات والأرض للفناء دليل على وقوع البعث لأن انعدام هذا العالم يقتضي بمقتضى الحكمة أن يخلفه عالم آخر أعظم منه. على سنة تدرج المخلوقات في الكمال. وقد كان ظن الدهريين قدمَ هذا العالم وبقاءَه أكبر شبهة لهم في إنكارهم البعث {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيَا وما يُهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24].
فالدهر عندهم متصرف وهو باق غير فان. فلوجوزوا فناء هذا العالم لأمكن نزولهم إلى النظر في الأدلة التي تقتضي حياة ثانية.
فجملة {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} مرتبطة بالاستثناء في قوله: {إلا بالحق}. أي هم معرضون عما أنذروا به من وعيد يوم البعث.
وحذف العائد من الصلة لأنه ضمير منصوب بـ {أنذروا}.
والتقدير: عما أنذروه معرضون.
ويجوز أن تكون {ما} مصدرية فلا يقدر بعدها ضمير.
والتقدير عن إنذارهم معرضون فشمل كل إنذار أنذروه.
وتقديم {عما أنذروا} على متعلقه وهو {معرضون} للاهتمام بما أنذروا ويتبع ذلك رعاية الفاصلة. اهـ.

.تفسير الآيات (4- 6):

قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أو أثارة مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُومِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
قال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى: لما قدم ذكر الكتاب وعظيم الرحمة به وجليل بيانه. وأردف ذلك بما تضمنته سورة الشريعة من توبيخ من كذب به وقطع تعلقهم وأنه سبحانه قد نصب من دلائل السماوات والأرض إلى ما ذكر في صدر السورة ما كل قسم منها كاف في الدلالة وقائم بالحجة. ومع ذلك فلم يجر عليهم التمادي على ضلالهم والأنهماك في سوء حالهم وسيىء محالهم. أردفت بسورة الأحقاف تسجيلًا بسوء مرتكبهم وإعلامًا باليم منقلبهم فقال تعالى: {ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى} ولواعتبروا بعظيم ارتباط ذلك الحق وإحكامه وإتقانه لعلموا أنه لم يوجد عبثًا. ولكنهم عموا عن الآيات وتنكبوا عن انتهاج الدلالات {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} ثم أخذ سبحانه وتعالى في تعنيفهم وتقريعهم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع فقال: {أفرأيتم ما تدعون من دون الله} إلى قوله: {وكانوا بعبادتهم كافرين} ثم ذكر عنادهم عن سماع الآيات فقال: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} الآيات. ثم التحم الكلام وتناسج إلى آخر السورة- انتهى.